04 août 2009
" Histoire de ma vie " Fadhma Ait Mansour Amrouche :
فاطمة آيت منصور عمروش
من منا لا يعرف أسرة عمروش التي أنجبت الأديبين الكبيرين جون عمروش وطاوس عمروش ، اللذين تركا آثارا أدبية مهمة في الثقافة الأمازيغية . ولكن يجب أن نعرف أنه وراء هذين العظيمين كانت هناك أم عظيمة عانت الكثير هي وأمها من قبلها : فاطمة آيت منصور عمروش التي تعتبر أول امرأة افريقية متعلمة .
يمتد بنا الكتاب على مدى مائتين وعشرين صفحة ، وهو مُسْتَهَلٌّ بتقديمين لـ " فانسون مونتي " و كاتب ياسين ، ومذيل ببضع قصائد من تأليف الكاتبة نفسها .
تحكي لنا فاطمة في هذا الكتاب قصة حياتها ، ماعانته هي وأمها كونها ابنة غير شرعية لم يتجرأ والدها على الاعتراف بها ، في مجتمع قبائلي لا يغفر خطيئة كهذه ولا يرحم ثمرتها ، مما أدى بها إلى الارتماء في أحضان ميتم أسسه الآباء البيض ، فاعتنقت المسيحية وهذا سبب آخر للمعاناة ...
تسرد علينا فاطمة عمروش الحياة اليومية التي يحياها القبائلي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، حيث الحياة القاسية وشظف العيش ، وهي القصص نفسها التي نسمعها نحن أبناء الاستقلال من أجدادنا وجداتنا ، عن ذلك الكفاح من أجل الحياة بالاعتماد على الموارد المحلية القليلة : بضع زيتونات تحتضنها أرض جبلية شيستية يتعهدونها ويعصرون زيتونها ، وتينات يجففون ثمارها ويزدردونها في ليالي الشتاء الباردة ... ودقيق شحيح من القمح الذي يحصلون عليه عن طريق مقايضة الزيت والتين المجفف من " بلاد العرب " كما يقول أجدادنا ...
وتحكي لنا فاطمة أيضا أمورا كثيرة عن الحياة الاجتماعية ، عن الصداقة ، عن الزواج ، عن تربية الأولاد وعن العلاقات بين الكنات والحموات ...
وتحكي لنا أيضا عن المنفى الذي عانته ، عن الأربعين سنة التي قضتها في تونس وفي فرنسا ، ولكنها كما تقول عن نفسها " لقد بقيت دائما تلك " القبائلية " ، على الرغم من الأربعين سنة التي قضيتها في تونس ، وعلى الرغم من ثقافتي الفرنسية العميقة ، إلا أنني لم أستطع أبدا أن أرتبط بصورة حميمية مع فرنسيين أو عرب ... " ...
لقد أدى بي إعجابي الكبير بهذا الكتاب إلى ترجمة الفصل الأول منه إلى العربية ، وأنا أدعو كل من له معرفة عميقة باللغة الفرنسية إلى ترجمة هذا الكتاب كاملا لكي يتعرف عليه قراء العربية .
فاطمة آيت منصور عمروش
قصة حياتي
I
درب المدرسة
1
أمي
أصل أمي من قرية " ثوريرث موسى واعمر " التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات من قريتي " ثيزي هيبل " ، وهي تنحدر من عائلة عريقة هي " آيت العربي أو سعيد " ، وقد زُوِّجَتْ وهي صغيرة جدا من رجل يكبرها كثيرا ، شيخ عجوز تقريبا : فقد كانت لـه ابنة أكبر سنا من أمي .
لكنها لم تشتك أبدا من هذا الرجل الذي أحبها على طريقته ، وقد ولدت لـه ولدين هما أخواي " محند " و " لعمارة " . كان لهذا الرجل أخ أصغر لم يكن ذا ذرية ، وقد أراد هذا الأخير أن يكتب وصية يترك من خلالها ممتلكاته لزوجته ، ولكن قبل أن يقوم بذلك نصب لـه أخوه الأكبر كمينا ، وفي الغد وُجد الأخ الأصغر ميتا ، مسندا إلى كومة من التبن في مكان منعزل خارج القرية يدعى " سبالة " أين يقوم القرويون بـتجميع التبن لتخزينه ، ولكن لم يتم اكتشاف القاتل لذلك فقد أغلقت القضية .
حكت لي أمي بعد ذلك أن زوجها أصبح ملعونا ، فأصيب بمرض فظيع : امتلأ كل جسمه بدمامل ممتلئة بمياه صفراء كانت تسيل على طول ساقيه .
قالت أمي : << في السنة التي توفي فيها ، كانت هناك غلة وفيرة جدا ، لم نر أبدا منذ الوقت الذي تمتد إليه ذاكرة الإنسان أشجار التين محملة بذلك القدر من الفاكهة ، ولا الكرم محملا بالعناقيد ، أو السنابل بذلك القدر من الجمال .
عندما نذهب إلى الحقول كان يقول وهو يرفع أغصان الأشجار : " انظري يا امرأة ، انظري إلى كل هذه الخيرات التي وهبها الله لنا ! " ، وقد كنت أجيبه بهدوء : " مَا نْدَّرْ! " ( إذا عشنا! ) .
وفي أحد الأيام عندما أجبته بمثل ذلك الجواب مرة أخرى ، أصابه غضب شديد فجأة ، فهزني هزا شديدا وهو يصيح قائلا : " سنعيش يا امرأة ! سنعيش ! " .
ولكنه لم ير لا التين ولا العنب وهي تنضج ، لأنه توفي ولما يكد يدخل موسم الجني . >> .
لم يكد زوجها يدفن حتى جاء خالي " قاسي آيت العربي أو سعيد " وأمرها قائلا : " غادري هذا المنزل وتعالي لتعيشي معنا أنت وأولادك ، ستعتني بهم أمي ، أما أنت فستتزوجين من جديد" لكنها أجابته متصدية لـه وللعادة أيضا : " سأبقى في بيتي مع أولادي " ، فغضب خالي الذي كان كبيرا جدا وانتزع قرميدة من السقف ورماها بها ولكن لم يصبها لحسن الحظ ، ثم ذهب مباشرة إلى " ثاجماعث " وأشهد الحاضرين قائلا : " ابتداء من هذا اليوم ، أنا أتبرأ من أختي " عيني "، إنها مبعدة من عائلتنا : مهما فعلت ، ومهما جرى لها ، فإننا لن نبالي بها أو بمصيرها . إنها غريبة عنا . "
ثم عاد إلى قريته ، ومنذ ذلك اليوم لم تتمكن أمي أبدا من رؤية منزل أبيها .
ثم تكفلت بتكفين زوجها حسب ما هو متعارف ، وابتاعت زوجا من الثيران بنقود استدانتها على ذمة غلة العنب ، وقامت بتضحيتهما من أجل راحة الفقيد ، ووزعت لحمهما على كل سكان القرية بحيث تحصلت كل عائلة على نصيبها حسب عدد أفرادها : قطعة واحدة لكل فرد ، هذا فضلا عن وليمة مأتم أقيمت في " ثاجماعث " خصصت للمساكين الذين أكلوا حتى شبعوا من الكسكسي .
وهكذا بقيت أمي وحيدة في سن الثانية أو الثالثة والعشرين سنة ، مع ولدين أكبرهما في الخامسة أو السادسة من عمره والثاني لا يتجاوز الثالثة . كانت جميلة جدا : بشرة فاتحة مشوبة بلون الورد ، وعينان زرقاوان ـ خضراوان ، مع جسم قصير بعض الشيء ، ممتلئ و صلب وذي كتفين عريضين ، وذقن مطوع وجبين منخفض وعنيد . وبما أنها بقيت وحيدة فقد انغمست بشجاعة في العمل ، كانت تقوم بشغل الدار وتذهب للاستسقاء من العين ، وتطحن الحبوب بكمية كافية من أجل يوم كامل . أما الطعام فقد كانت تعده في الليل ، لأنها في النهار كانت تعمل في الحقول .
وإذا حدث أن احتاجت إلى مساعدة من رجل ، فقد كان لزاما عليها أن تدفع له أجرة باهضة، فعندما يحل موسم الزيتون في الشتاء كانت تدفع أجرة خمسة أيام من أجل التقاطه مقابل يوم واحد لنفضه .
لكنها كانت شابة وغير حذرة . كان يقاسمها السكن في الفناء نفسه رجل من عائلة زوجها المتوفي . أحبها ، وأحبته . وحدث الذي كان يجب أن يحدث .
أصبحت حاملا ، لكن الرجل أنكر أن يكون هو والد الطفل .
كانت العادات والتقاليد القبائلية فظيعة ، فإذا ما أخطأت امرأة فإن عليها أن تختفي ، وأن لا يراها أحد لكيلا يلحق العار بعائلتها . قبل الاحتلال الفرنسي كان العقاب يأتي عاجلا : يأخذ الأهل المخطئة إلى حقل ويقتلونها ثم يدفنونها في منحدر .
لكن في ذلك الوقت كانت العدالة الفرنسية تحارب هذه العادة القاسية ، فاستنجدت بها أمي .
ومنذ أن أصبحت خطيئتها ظاهرة للعيان ، اجتمع أعمام إخوتي ــ الإخوة الأشقاء لزوجها ــ وقرروا طرد أمي والاحتفاظ بأولادها الذين طمعوا في ممتلكاتهم ، وعندما حاولوا إجبارها على الرحيل ، تقدمت بشكوى إلى العدالة .
وهكذا صعد القضاة إلى القرية ، وحكموا بتعيين وصي ووصي بديل للأطفال ، و قاموا بجرد الممتلكات ثم أصدروا أمرا يحضر على أي شخص التعرض للأرملة أو اليتيمين .
في ليلة مولدي ، كانت أمي نائمة وحدها مع طفليها الصغيرين ، ولم يكن أحد بجانبها ليواسيها أو يساعدها : قامت بكل شيء لوحدها وقطعت الحبل السري بأسنانها . عجوز واحدة فقط جاءت في الغد بقليل من الطعام .
وفي اليوم التاسع بعد مولدي وضعتني أمي في حضنها لصق صدرها لأن الثلج كان يتساقط ، وأمسكت بولديها بكلتا يديها ثم ذهبت لرفع دعوى ضد والدي عند وكيل الجمهورية . كانت تريد أن يعترف بي والدي وأن يعطي لي اسمه ، وكان هذا الأخير قد رفض ذلك لأنه كان مخطوبا لفتاة من القرية ، من عائلة ذات نفوذ وكانوا يهددونه بالقتل إن هو تخلى عنها لذلك فقد خاف ! .
ودامت القضية ثلاث سنوات ، كانت أمي خلالها ، في البرد كما في الحر ، تراجع القضاة وتلح عليهم وترافع من أجل قضيتها وقد قال كل الشهود أنه بدون شك والدي وأني كنت صورة حية عنه . لكن وخلال ثلاث سنوات من المعاناة أُدين بدفع تعويضات فقط ــ ثلاثمائة فرنك ! ــ وقد رفضتها أمي ، لكن في ذلك الوقت كان القانون يمنع البحث عن الأبوة ، ولم يكن ممكنا إجباره على الاعتراف بي ، وهكذا ختم على جبيني بختم العار .
قامت أمي ، من شدة يأسها ، بوضعي في عين ماء مثلجة لكن ذلك لم يجعلني أموت .
بعد ذلك تابعت حياتها وأشغالها المألوفة في الليل كما في النهار، دون مساعدة من أحد : تقوم بغسل و ندف و تمشيط الصوف ثم تغزله وتحيكه ، تحرث حقولها ، تجني غلالها من التين و العنب والزيتون ، تقوم بأشغال البيت والطبخ ، تنقي وتطحن القمح أو الشعير أو البلوط ، تنقل الماء وتحضر الحطب .
عندما كنت صغيرة جدا ، كانت تتركني نائمة حتى عودتها ، وعندما صرت أكبر قليلا كانت تضع بجانبي جرة صغيرة من الماء ، وقصعة تحوي حفنة من الكسكسي كنت أجدها عند استيقاظي فأتناولها ، وبعد الانتهاء منها آخذ الجرة الصغيرة ( ثابوقالت ) التي كان لها عنق صغير في أعلاها يحوي فتحة ، فأرشف منها الماء ثم أعود إلى النوم ريثما تعود أمي .
أحيانا عندما يتحتم عليها أن تتأخر في العودة ، كانت تعهد بي إلى جارة طيبة كانت توافق على رعايتي حتى عودتها ، لكن ذلك كان نادرا …
إن الناس أشرار وسيئون ، لهذا فإن " طفل الخطيئة " يصبح ضحية للمجتمع ، وخاصة في بلاد القبائل ؛ فكم من معاناة قاسيت ، وكم من ضربات تلقيت ! وما أكثر ما عوملت بعنف شديد ! حتى إنه يحدث لي أحيانا عندما أخرج إلى الشارع أن يسقطوني أرضا ثم يشبعونني رفسا .
الصورة الأولى التي ترتسم بين عيني من طفولتي المبكرة هي صورة يوم صيفي ذي شمس محرقة ، على طريق مغبرة وشديدة الانحدار أرى صبيا صغيرا لا يتجاوز العشر سنوات يسوق أمامه بعض الحيوانات ، وطفلة صغيرة تكاد تكون رضيعا ، ببشرة بيضاء ووردية ، وشعر أشقر مضفور ، كانت تجري وتصيح : " دادا ! دادا ! " ( أخي الكبير ! أخي الكبير ! ) وبعد ذلك ساد الصمت .
ومباشرة بعد هذه الصورة تأتي أخرى : صورة منزل بابه مفتوح يسمح بدخول ضوء الشمس ، وفي هذا الضوء كانت هناك امرأة تحمل بين يديها جسد طفلة عارية مغطى بأشواك الصبار ، وكانت الدموع تسيل حارة غزيرة على هذا الجسد المنهوك المتألم ، بينما كانت المرأة تنتزع الأشواك الواحدة تلو الأخرى من جسد الطفلة .
عرفت لاحقا أن تلك الطفلة هي أنا : تبعت أخي الذي كان يسوق الثيران إلى حوض الماء ، فقام صبي شرير بدفعي إلى سياج مكون من نبات التين الشوكي .
أصاب أمي بعد ذلك خوف شديد ، ماذا عساها تفعل بي ؟ وكيف يمكنها أن تحميني من شرور الناس ؟ فليس بإمكانها إبقائي في البيت دائما ، وإن خرجت فإنها كانت تخشى أن يقتلني أحدهم فتلقي العدالة بالذنب عليها .
وعلمتْ أنه يوجد في " إيواضين " راهبات من الأخوات البيض يقمن باستقبال البنات ويعتنين بهن ، واعتقدتْ أنها لن تقلق علي إن هي أوصت بي إلى هؤلاء الراهبات ، ولن يصيبني أحد بمكروه . إلا أنها ترددت كثيرا قبل أن تقدم على ذلك لأنها كانت تحبني فأنا ابنتها على كل حال ، وكانت قبل ذلك قد رفضت أن تهبني إلى زوجة القاضي التي لم يكن لها أولاد وأرادت أن تتبناني بعد حادثة سياج الصبار . وأخيرا قررت أمي أن تسلمني إلى الأخوات البيض بعد أن رأت بأنني مازلت عرضة للمعاملة السيئة .
وفي أحد أيام الأربعاء ــ يوم السوق ــ حملتني أمي على ظهرها وأخذتني إلى " إيواضين " . إنني لا أتذكر الكثير من تلك المرحلة من حياتي ، فقط بعض الصور التي انطبعت في ذاكرتي ، أولها صورة امرأة كبيرة بثياب بيضاء مرقطة بالأحمر كانت تحمل إلى جانب المسبحة أداة أخرى مصنوعة من حبال معقودة ، كانت بلا شك سوطا . وقد عرفت بعد ذلك أن هذه الراهبة كانت مكلفة بالعناية بالبنات الصغيرات ، فقد كانت معي فتيات أخريات ولكنهن أكبر سنا ، من بينهن : " ثسعذيث آيت أوشن " .
حسب أمي فقد وجب علي البقاء في هذا المنزل عاما كاملا ، كان ذلك بلا شك منذ صيف العام 1885 إلى غاية 1886 ، كانت خلالها أمي تأتي لزيارتي كل أربعاء ، وكانت تحضر لي أفضل ما عندها من بيض مسلوق و كسرة وفطائر وتين أبيض اللون ومعسلا ، ولأنها كانت تخشى أن تؤذيني البنات الأخريات فقد كانت تقسم بيننا كل ما تحضره . وفي إحدى المرات لبثت زمنا طويلا دون أن تأتي لزيارتي ، ومرت أسابيع عديدة إلى أن رأيتها أخيرا : كانت نحيفة وشاحبة ، وأخبرتني أن أخي لعمارة تشاجر مع أحد أقرانه ، وبينما كانت تحاول التفريق بينهما رماها والد الطفل بحجر أصابها في قمة جبينها فأغمي عليها وحملت إلى منزلها وهي بين الحياة والموت ، وقد ظلت كذلك أياما عديدة ، إلى أن شفيت أخيرا ، وقد حملت يدي الصغيرة إلى رأسها حيث أحسست بالثقب الذي سببه الجرح .
لم أحتفظ في ذاكرتي من كل تلك الفترة من حياتي سوى بلحن ترنيمة " آف ماري ستيلا " ، وكذلك صورة الكنيسة المتلألئة بالأنوار والكاهن الذي كان يقيم القداس ويظهر المذبح . ( بعد أن غادرت " إيواضين " بعد ذلك ، كنت أتسائل عما كان يعني ذلك ) . لكنني كنت أرى أيضا صورة أخرى مريعة : صورة طفلة صغيرة تقف لصق جدار أحد الأروقة : كانت الطفلة مغطاة بالقذارة وترتدي ثيابا من قماش رخيص و كانت تبكي وقد علق برقبتها ماعون مليء بالبراز . كان أحد الكهنة يقترب منها والراهبة التي ترافقه تخبره بأنها طفلة شريرة ، وأنها رمت بأقماع الخياطة التي تستعملها زميلاتها في الخندق حيث تصرف المياه القذرة ، وأنهم أجبروها على الدخول إليه لكي تحضرها : إذن فمحتوى الخندق هو الذي كان يغطي جسمها ويملأ ذلك الماعون.
لكن العقاب لم يقتصر على ذلك ، بل لقد جلدت البنت الصغيرة حتى أدميت . عندما جاءت أمي يوم الأربعاء الموالي وجدت آثار الضرب في كامل جسمي ، ومررت يديها على كل تلك الكدمات ، ثم نادت الراهبة وأظهرت لها آثار الضرب قائلة لها : " أمن أجل هذا عهدت بها إليكم؟ أعيدوا إلي ابنتي ! " . وهكذا جردتني الراهبة من ثيابي ولم تترك حتى القميص على جسدي ، فأخذت أمي الوشاح الذي تستر به شعرها ، وربطت طرفين منه على كتفي وثبتت القماش على كتفي الأخرى واستعملت لذلك شوكة كبيرة بمثابة دبوس ، ثم فكت حزامها العريض المصنوع من الصوف ولفته على جبهتها ، ثم أخذت بيدي ووضعتني على ظهرها .
وهكذا غادرت راهبات " إيواضين " .
بينما كنت في " إيواضين " تقدم رجل من القرية من أمي وطلبها للزواج ، ولم يكن هذا الرجل من عشيرتنا ، ولكنه كان شابا شجاعا ، وقد وعدها أن يكون سندا لها ولأولادها ، فقبلت أمي لأن أولادها لم يكن بإمكانهم بعد أن يدافعوا عنها وعن أنفسهم .
ذهب الرجل إلى أهل أمي وقد أخذ معه مهرها ، لكن خالي قاسي رفض النقود قائلا بأنه لم تكن لـه أية أخت . وهكذا تزوجت أمي من جديد ولكنها لم توافق على مرافقة زوجها إلى منزل عائلته حيث لم يكن مرحبا بها على حال .
وقد أراد أعمام إخوتي من جديد أن يطردوا أمي وأن يأخذوا منها ممتلكاتها وأولادها ، وهكذا كان لزاما عليها أن تتوجه مرة أخرى إلى العدالة ، ولكن الكلمة الأخيرة عادت إليها ، فقد احتفظت بمنزلها وأولادها والرجل الذي تحمل مسؤولية ثقيلة بالزواج منها وحمايتها .
وقد ظل هذا الرجل على وعده حتى اليوم الذي توفي فيه أخوه البكر ، وقد كان لزاما عليه أن يذهب ليخلف أخاه في ماله وأهله : أبوه المسن وأمه وأرملة أخيه . وقد أثمر هذا الزواج طفلة صغيرة ورثت عن أمي عينيها الزرقاوين ــ الخضراوين الجميلتين .
كانت أمي امرأة شجاعة ، وقد كان من عادتها أن تقول : " ثيشرط إيو خير نتميرا غرغازن!" ( الوشم الذي في ذقني أفضل من لِحَى الرجال ! ) وكانت تلك هي الحقيقة لأنني لم أر أمي باكية سوى مرتين : يوم ألقي بي في سياج الصبار ويوم تلقت خبر وفاة أمها .
أكثر ما كان يحزنها هو اضطرارها لفراق عائلتها إلى الأبد . عند منتصف الطريق بين " ثوريرث موسى أو أعمر " و " ثيزي هيبل " كان هناك جدول ماء كانت النساء يذهبن إليه ويغسلن الثياب فيه قريبا من منازل " ثغرغرا " ، وكانت أمي وجدتي تلتقيان هناك كل يوم أربعاء ــ يوم السوق ــ وتحضر كل واحدة ما لديها من الأشياء النفيسة لكي تهديه إلى الأخرى . لكن صباح ذات يوم ، تغيبت جدتي عن الملتقى ، فأخبرت إحدى الجارات أمي أن أمها قد توفيت في الليل . وقد حاولت أمي طوال اليوم أن تثني خالي " قاسي " عن إرادته عن طريق بعض معارفها الذين ترجوه أن يدعها تدخل لتودع أمها المتوفية للمرة الأخيرة لكن دون جدوى ، لأن خالي كان متصلبا. وهكذا عادت أمي يائسة . كنت في المنزل ، أثناء عطلة عيد الأضحى ( لعيذ أمقران ) الذي جاء في فصل الصيف ذلك العام ، وقد كنا أنا وأختي الصغيرة شاهدتين على هذا اليأس دون أن نفهمه ، لكن ذكراه بقيت عالقة ...
في فصل الخريف ، قام " القايد " باستدعاء أمي وقال لها : " إن ابنتك فاطمة هي عائق لك لذلك أنصحك بأن تأخذيها إلى " الأربعاء ناث ييراثن " حيث سيفتحون مدرسة للبنات وهناك ستكون سعيدة وستعامل معاملة حسنة ، والحاكم سيحميك ولن يكون لك ما تخشين من إخوة زوجك الأول." وقد لبثت أمي طويلا قبل أن تذعن لطلبه لأن تجربة الأخوات ال جعلتها تشك في الجميع ، لكنها أذعنت في الأخير لأن زوجها الشاب و سكان القرية كانوا ينظرون إليها نظرة سيئة فهم ما انفكوا يرون فيَّ تلك الطفلة التي لم تكن سوى ثمرة خطيئة . ولم توافق على فراقي إلا في شهر أكتوبر أو نوفمبر 1886 ، وهكذا حملتني من جديد على ظهرها وغادرنا . كل ما أتذكره من تلك الرحلة هو أننا أثناء هبوطنا إلى الوادي أكلنا " الزعرورة " ( ما زلت أتذكر حمرة تلك الفاكهة ) .
وهنا ينتهي القسم الأول من طفولتي ، كنت أعود من حين إلى آخر أثناء العطل ، لكنني لم أعان أبدا من معاملة سيئة .
فاطمة آيت منصور عمروش . " Histoire de ma vie "
وليد ساحلي . سبتمبر 2006 .
