04 août 2009
" Histoire de ma vie " Fadhma Ait Mansour Amrouche :
فاطمة آيت منصور عمروش
من منا لا يعرف أسرة عمروش التي أنجبت الأديبين الكبيرين جون عمروش وطاوس عمروش ، اللذين تركا آثارا أدبية مهمة في الثقافة الأمازيغية . ولكن يجب أن نعرف أنه وراء هذين العظيمين كانت هناك أم عظيمة عانت الكثير هي وأمها من قبلها : فاطمة آيت منصور عمروش التي تعتبر أول امرأة افريقية متعلمة .
يمتد بنا الكتاب على مدى مائتين وعشرين صفحة ، وهو مُسْتَهَلٌّ بتقديمين لـ " فانسون مونتي " و كاتب ياسين ، ومذيل ببضع قصائد من تأليف الكاتبة نفسها .
تحكي لنا فاطمة في هذا الكتاب قصة حياتها ، ماعانته هي وأمها كونها ابنة غير شرعية لم يتجرأ والدها على الاعتراف بها ، في مجتمع قبائلي لا يغفر خطيئة كهذه ولا يرحم ثمرتها ، مما أدى بها إلى الارتماء في أحضان ميتم أسسه الآباء البيض ، فاعتنقت المسيحية وهذا سبب آخر للمعاناة ...
تسرد علينا فاطمة عمروش الحياة اليومية التي يحياها القبائلي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، حيث الحياة القاسية وشظف العيش ، وهي القصص نفسها التي نسمعها نحن أبناء الاستقلال من أجدادنا وجداتنا ، عن ذلك الكفاح من أجل الحياة بالاعتماد على الموارد المحلية القليلة : بضع زيتونات تحتضنها أرض جبلية شيستية يتعهدونها ويعصرون زيتونها ، وتينات يجففون ثمارها ويزدردونها في ليالي الشتاء الباردة ... ودقيق شحيح من القمح الذي يحصلون عليه عن طريق مقايضة الزيت والتين المجفف من " بلاد العرب " كما يقول أجدادنا ...
وتحكي لنا فاطمة أيضا أمورا كثيرة عن الحياة الاجتماعية ، عن الصداقة ، عن الزواج ، عن تربية الأولاد وعن العلاقات بين الكنات والحموات ...
وتحكي لنا أيضا عن المنفى الذي عانته ، عن الأربعين سنة التي قضتها في تونس وفي فرنسا ، ولكنها كما تقول عن نفسها " لقد بقيت دائما تلك " القبائلية " ، على الرغم من الأربعين سنة التي قضيتها في تونس ، وعلى الرغم من ثقافتي الفرنسية العميقة ، إلا أنني لم أستطع أبدا أن أرتبط بصورة حميمية مع فرنسيين أو عرب ... " ...
لقد أدى بي إعجابي الكبير بهذا الكتاب إلى ترجمة الفصل الأول منه إلى العربية ، وأنا أدعو كل من له معرفة عميقة باللغة الفرنسية إلى ترجمة هذا الكتاب كاملا لكي يتعرف عليه قراء العربية .
فاطمة آيت منصور عمروش
قصة حياتي
I
درب المدرسة
1
أمي
أصل أمي من قرية " ثوريرث موسى واعمر " التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات من قريتي " ثيزي هيبل " ، وهي تنحدر من عائلة عريقة هي " آيت العربي أو سعيد " ، وقد زُوِّجَتْ وهي صغيرة جدا من رجل يكبرها كثيرا ، شيخ عجوز تقريبا : فقد كانت لـه ابنة أكبر سنا من أمي .
لكنها لم تشتك أبدا من هذا الرجل الذي أحبها على طريقته ، وقد ولدت لـه ولدين هما أخواي " محند " و " لعمارة " . كان لهذا الرجل أخ أصغر لم يكن ذا ذرية ، وقد أراد هذا الأخير أن يكتب وصية يترك من خلالها ممتلكاته لزوجته ، ولكن قبل أن يقوم بذلك نصب لـه أخوه الأكبر كمينا ، وفي الغد وُجد الأخ الأصغر ميتا ، مسندا إلى كومة من التبن في مكان منعزل خارج القرية يدعى " سبالة " أين يقوم القرويون بـتجميع التبن لتخزينه ، ولكن لم يتم اكتشاف القاتل لذلك فقد أغلقت القضية .
حكت لي أمي بعد ذلك أن زوجها أصبح ملعونا ، فأصيب بمرض فظيع : امتلأ كل جسمه بدمامل ممتلئة بمياه صفراء كانت تسيل على طول ساقيه .
قالت أمي : << في السنة التي توفي فيها ، كانت هناك غلة وفيرة جدا ، لم نر أبدا منذ الوقت الذي تمتد إليه ذاكرة الإنسان أشجار التين محملة بذلك القدر من الفاكهة ، ولا الكرم محملا بالعناقيد ، أو السنابل بذلك القدر من الجمال .
عندما نذهب إلى الحقول كان يقول وهو يرفع أغصان الأشجار : " انظري يا امرأة ، انظري إلى كل هذه الخيرات التي وهبها الله لنا ! " ، وقد كنت أجيبه بهدوء : " مَا نْدَّرْ! " ( إذا عشنا! ) .
وفي أحد الأيام عندما أجبته بمثل ذلك الجواب مرة أخرى ، أصابه غضب شديد فجأة ، فهزني هزا شديدا وهو يصيح قائلا : " سنعيش يا امرأة ! سنعيش ! " .
ولكنه لم ير لا التين ولا العنب وهي تنضج ، لأنه توفي ولما يكد يدخل موسم الجني . >> .
لم يكد زوجها يدفن حتى جاء خالي " قاسي آيت العربي أو سعيد " وأمرها قائلا : " غادري هذا المنزل وتعالي لتعيشي معنا أنت وأولادك ، ستعتني بهم أمي ، أما أنت فستتزوجين من جديد" لكنها أجابته متصدية لـه وللعادة أيضا : " سأبقى في بيتي مع أولادي " ، فغضب خالي الذي كان كبيرا جدا وانتزع قرميدة من السقف ورماها بها ولكن لم يصبها لحسن الحظ ، ثم ذهب مباشرة إلى " ثاجماعث " وأشهد الحاضرين قائلا : " ابتداء من هذا اليوم ، أنا أتبرأ من أختي " عيني "، إنها مبعدة من عائلتنا : مهما فعلت ، ومهما جرى لها ، فإننا لن نبالي بها أو بمصيرها . إنها غريبة عنا . "
ثم عاد إلى قريته ، ومنذ ذلك اليوم لم تتمكن أمي أبدا من رؤية منزل أبيها .
ثم تكفلت بتكفين زوجها حسب ما هو متعارف ، وابتاعت زوجا من الثيران بنقود استدانتها على ذمة غلة العنب ، وقامت بتضحيتهما من أجل راحة الفقيد ، ووزعت لحمهما على كل سكان القرية بحيث تحصلت كل عائلة على نصيبها حسب عدد أفرادها : قطعة واحدة لكل فرد ، هذا فضلا عن وليمة مأتم أقيمت في " ثاجماعث " خصصت للمساكين الذين أكلوا حتى شبعوا من الكسكسي .
وهكذا بقيت أمي وحيدة في سن الثانية أو الثالثة والعشرين سنة ، مع ولدين أكبرهما في الخامسة أو السادسة من عمره والثاني لا يتجاوز الثالثة . كانت جميلة جدا : بشرة فاتحة مشوبة بلون الورد ، وعينان زرقاوان ـ خضراوان ، مع جسم قصير بعض الشيء ، ممتلئ و صلب وذي كتفين عريضين ، وذقن مطوع وجبين منخفض وعنيد . وبما أنها بقيت وحيدة فقد انغمست بشجاعة في العمل ، كانت تقوم بشغل الدار وتذهب للاستسقاء من العين ، وتطحن الحبوب بكمية كافية من أجل يوم كامل . أما الطعام فقد كانت تعده في الليل ، لأنها في النهار كانت تعمل في الحقول .
وإذا حدث أن احتاجت إلى مساعدة من رجل ، فقد كان لزاما عليها أن تدفع له أجرة باهضة، فعندما يحل موسم الزيتون في الشتاء كانت تدفع أجرة خمسة أيام من أجل التقاطه مقابل يوم واحد لنفضه .
لكنها كانت شابة وغير حذرة . كان يقاسمها السكن في الفناء نفسه رجل من عائلة زوجها المتوفي . أحبها ، وأحبته . وحدث الذي كان يجب أن يحدث .
أصبحت حاملا ، لكن الرجل أنكر أن يكون هو والد الطفل .
كانت العادات والتقاليد القبائلية فظيعة ، فإذا ما أخطأت امرأة فإن عليها أن تختفي ، وأن لا يراها أحد لكيلا يلحق العار بعائلتها . قبل الاحتلال الفرنسي كان العقاب يأتي عاجلا : يأخذ الأهل المخطئة إلى حقل ويقتلونها ثم يدفنونها في منحدر .
لكن في ذلك الوقت كانت العدالة الفرنسية تحارب هذه العادة القاسية ، فاستنجدت بها أمي .
ومنذ أن أصبحت خطيئتها ظاهرة للعيان ، اجتمع أعمام إخوتي ــ الإخوة الأشقاء لزوجها ــ وقرروا طرد أمي والاحتفاظ بأولادها الذين طمعوا في ممتلكاتهم ، وعندما حاولوا إجبارها على الرحيل ، تقدمت بشكوى إلى العدالة .
وهكذا صعد القضاة إلى القرية ، وحكموا بتعيين وصي ووصي بديل للأطفال ، و قاموا بجرد الممتلكات ثم أصدروا أمرا يحضر على أي شخص التعرض للأرملة أو اليتيمين .
في ليلة مولدي ، كانت أمي نائمة وحدها مع طفليها الصغيرين ، ولم يكن أحد بجانبها ليواسيها أو يساعدها : قامت بكل شيء لوحدها وقطعت الحبل السري بأسنانها . عجوز واحدة فقط جاءت في الغد بقليل من الطعام .
وفي اليوم التاسع بعد مولدي وضعتني أمي في حضنها لصق صدرها لأن الثلج كان يتساقط ، وأمسكت بولديها بكلتا يديها ثم ذهبت لرفع دعوى ضد والدي عند وكيل الجمهورية . كانت تريد أن يعترف بي والدي وأن يعطي لي اسمه ، وكان هذا الأخير قد رفض ذلك لأنه كان مخطوبا لفتاة من القرية ، من عائلة ذات نفوذ وكانوا يهددونه بالقتل إن هو تخلى عنها لذلك فقد خاف ! .
ودامت القضية ثلاث سنوات ، كانت أمي خلالها ، في البرد كما في الحر ، تراجع القضاة وتلح عليهم وترافع من أجل قضيتها وقد قال كل الشهود أنه بدون شك والدي وأني كنت صورة حية عنه . لكن وخلال ثلاث سنوات من المعاناة أُدين بدفع تعويضات فقط ــ ثلاثمائة فرنك ! ــ وقد رفضتها أمي ، لكن في ذلك الوقت كان القانون يمنع البحث عن الأبوة ، ولم يكن ممكنا إجباره على الاعتراف بي ، وهكذا ختم على جبيني بختم العار .
قامت أمي ، من شدة يأسها ، بوضعي في عين ماء مثلجة لكن ذلك لم يجعلني أموت .
بعد ذلك تابعت حياتها وأشغالها المألوفة في الليل كما في النهار، دون مساعدة من أحد : تقوم بغسل و ندف و تمشيط الصوف ثم تغزله وتحيكه ، تحرث حقولها ، تجني غلالها من التين و العنب والزيتون ، تقوم بأشغال البيت والطبخ ، تنقي وتطحن القمح أو الشعير أو البلوط ، تنقل الماء وتحضر الحطب .
عندما كنت صغيرة جدا ، كانت تتركني نائمة حتى عودتها ، وعندما صرت أكبر قليلا كانت تضع بجانبي جرة صغيرة من الماء ، وقصعة تحوي حفنة من الكسكسي كنت أجدها عند استيقاظي فأتناولها ، وبعد الانتهاء منها آخذ الجرة الصغيرة ( ثابوقالت ) التي كان لها عنق صغير في أعلاها يحوي فتحة ، فأرشف منها الماء ثم أعود إلى النوم ريثما تعود أمي .
أحيانا عندما يتحتم عليها أن تتأخر في العودة ، كانت تعهد بي إلى جارة طيبة كانت توافق على رعايتي حتى عودتها ، لكن ذلك كان نادرا …
إن الناس أشرار وسيئون ، لهذا فإن " طفل الخطيئة " يصبح ضحية للمجتمع ، وخاصة في بلاد القبائل ؛ فكم من معاناة قاسيت ، وكم من ضربات تلقيت ! وما أكثر ما عوملت بعنف شديد ! حتى إنه يحدث لي أحيانا عندما أخرج إلى الشارع أن يسقطوني أرضا ثم يشبعونني رفسا .
الصورة الأولى التي ترتسم بين عيني من طفولتي المبكرة هي صورة يوم صيفي ذي شمس محرقة ، على طريق مغبرة وشديدة الانحدار أرى صبيا صغيرا لا يتجاوز العشر سنوات يسوق أمامه بعض الحيوانات ، وطفلة صغيرة تكاد تكون رضيعا ، ببشرة بيضاء ووردية ، وشعر أشقر مضفور ، كانت تجري وتصيح : " دادا ! دادا ! " ( أخي الكبير ! أخي الكبير ! ) وبعد ذلك ساد الصمت .
ومباشرة بعد هذه الصورة تأتي أخرى : صورة منزل بابه مفتوح يسمح بدخول ضوء الشمس ، وفي هذا الضوء كانت هناك امرأة تحمل بين يديها جسد طفلة عارية مغطى بأشواك الصبار ، وكانت الدموع تسيل حارة غزيرة على هذا الجسد المنهوك المتألم ، بينما كانت المرأة تنتزع الأشواك الواحدة تلو الأخرى من جسد الطفلة .
عرفت لاحقا أن تلك الطفلة هي أنا : تبعت أخي الذي كان يسوق الثيران إلى حوض الماء ، فقام صبي شرير بدفعي إلى سياج مكون من نبات التين الشوكي .
أصاب أمي بعد ذلك خوف شديد ، ماذا عساها تفعل بي ؟ وكيف يمكنها أن تحميني من شرور الناس ؟ فليس بإمكانها إبقائي في البيت دائما ، وإن خرجت فإنها كانت تخشى أن يقتلني أحدهم فتلقي العدالة بالذنب عليها .
وعلمتْ أنه يوجد في " إيواضين " راهبات من الأخوات البيض يقمن باستقبال البنات ويعتنين بهن ، واعتقدتْ أنها لن تقلق علي إن هي أوصت بي إلى هؤلاء الراهبات ، ولن يصيبني أحد بمكروه . إلا أنها ترددت كثيرا قبل أن تقدم على ذلك لأنها كانت تحبني فأنا ابنتها على كل حال ، وكانت قبل ذلك قد رفضت أن تهبني إلى زوجة القاضي التي لم يكن لها أولاد وأرادت أن تتبناني بعد حادثة سياج الصبار . وأخيرا قررت أمي أن تسلمني إلى الأخوات البيض بعد أن رأت بأنني مازلت عرضة للمعاملة السيئة .
وفي أحد أيام الأربعاء ــ يوم السوق ــ حملتني أمي على ظهرها وأخذتني إلى " إيواضين " . إنني لا أتذكر الكثير من تلك المرحلة من حياتي ، فقط بعض الصور التي انطبعت في ذاكرتي ، أولها صورة امرأة كبيرة بثياب بيضاء مرقطة بالأحمر كانت تحمل إلى جانب المسبحة أداة أخرى مصنوعة من حبال معقودة ، كانت بلا شك سوطا . وقد عرفت بعد ذلك أن هذه الراهبة كانت مكلفة بالعناية بالبنات الصغيرات ، فقد كانت معي فتيات أخريات ولكنهن أكبر سنا ، من بينهن : " ثسعذيث آيت أوشن " .
حسب أمي فقد وجب علي البقاء في هذا المنزل عاما كاملا ، كان ذلك بلا شك منذ صيف العام 1885 إلى غاية 1886 ، كانت خلالها أمي تأتي لزيارتي كل أربعاء ، وكانت تحضر لي أفضل ما عندها من بيض مسلوق و كسرة وفطائر وتين أبيض اللون ومعسلا ، ولأنها كانت تخشى أن تؤذيني البنات الأخريات فقد كانت تقسم بيننا كل ما تحضره . وفي إحدى المرات لبثت زمنا طويلا دون أن تأتي لزيارتي ، ومرت أسابيع عديدة إلى أن رأيتها أخيرا : كانت نحيفة وشاحبة ، وأخبرتني أن أخي لعمارة تشاجر مع أحد أقرانه ، وبينما كانت تحاول التفريق بينهما رماها والد الطفل بحجر أصابها في قمة جبينها فأغمي عليها وحملت إلى منزلها وهي بين الحياة والموت ، وقد ظلت كذلك أياما عديدة ، إلى أن شفيت أخيرا ، وقد حملت يدي الصغيرة إلى رأسها حيث أحسست بالثقب الذي سببه الجرح .
لم أحتفظ في ذاكرتي من كل تلك الفترة من حياتي سوى بلحن ترنيمة " آف ماري ستيلا " ، وكذلك صورة الكنيسة المتلألئة بالأنوار والكاهن الذي كان يقيم القداس ويظهر المذبح . ( بعد أن غادرت " إيواضين " بعد ذلك ، كنت أتسائل عما كان يعني ذلك ) . لكنني كنت أرى أيضا صورة أخرى مريعة : صورة طفلة صغيرة تقف لصق جدار أحد الأروقة : كانت الطفلة مغطاة بالقذارة وترتدي ثيابا من قماش رخيص و كانت تبكي وقد علق برقبتها ماعون مليء بالبراز . كان أحد الكهنة يقترب منها والراهبة التي ترافقه تخبره بأنها طفلة شريرة ، وأنها رمت بأقماع الخياطة التي تستعملها زميلاتها في الخندق حيث تصرف المياه القذرة ، وأنهم أجبروها على الدخول إليه لكي تحضرها : إذن فمحتوى الخندق هو الذي كان يغطي جسمها ويملأ ذلك الماعون.
لكن العقاب لم يقتصر على ذلك ، بل لقد جلدت البنت الصغيرة حتى أدميت . عندما جاءت أمي يوم الأربعاء الموالي وجدت آثار الضرب في كامل جسمي ، ومررت يديها على كل تلك الكدمات ، ثم نادت الراهبة وأظهرت لها آثار الضرب قائلة لها : " أمن أجل هذا عهدت بها إليكم؟ أعيدوا إلي ابنتي ! " . وهكذا جردتني الراهبة من ثيابي ولم تترك حتى القميص على جسدي ، فأخذت أمي الوشاح الذي تستر به شعرها ، وربطت طرفين منه على كتفي وثبتت القماش على كتفي الأخرى واستعملت لذلك شوكة كبيرة بمثابة دبوس ، ثم فكت حزامها العريض المصنوع من الصوف ولفته على جبهتها ، ثم أخذت بيدي ووضعتني على ظهرها .
وهكذا غادرت راهبات " إيواضين " .
بينما كنت في " إيواضين " تقدم رجل من القرية من أمي وطلبها للزواج ، ولم يكن هذا الرجل من عشيرتنا ، ولكنه كان شابا شجاعا ، وقد وعدها أن يكون سندا لها ولأولادها ، فقبلت أمي لأن أولادها لم يكن بإمكانهم بعد أن يدافعوا عنها وعن أنفسهم .
ذهب الرجل إلى أهل أمي وقد أخذ معه مهرها ، لكن خالي قاسي رفض النقود قائلا بأنه لم تكن لـه أية أخت . وهكذا تزوجت أمي من جديد ولكنها لم توافق على مرافقة زوجها إلى منزل عائلته حيث لم يكن مرحبا بها على حال .
وقد أراد أعمام إخوتي من جديد أن يطردوا أمي وأن يأخذوا منها ممتلكاتها وأولادها ، وهكذا كان لزاما عليها أن تتوجه مرة أخرى إلى العدالة ، ولكن الكلمة الأخيرة عادت إليها ، فقد احتفظت بمنزلها وأولادها والرجل الذي تحمل مسؤولية ثقيلة بالزواج منها وحمايتها .
وقد ظل هذا الرجل على وعده حتى اليوم الذي توفي فيه أخوه البكر ، وقد كان لزاما عليه أن يذهب ليخلف أخاه في ماله وأهله : أبوه المسن وأمه وأرملة أخيه . وقد أثمر هذا الزواج طفلة صغيرة ورثت عن أمي عينيها الزرقاوين ــ الخضراوين الجميلتين .
كانت أمي امرأة شجاعة ، وقد كان من عادتها أن تقول : " ثيشرط إيو خير نتميرا غرغازن!" ( الوشم الذي في ذقني أفضل من لِحَى الرجال ! ) وكانت تلك هي الحقيقة لأنني لم أر أمي باكية سوى مرتين : يوم ألقي بي في سياج الصبار ويوم تلقت خبر وفاة أمها .
أكثر ما كان يحزنها هو اضطرارها لفراق عائلتها إلى الأبد . عند منتصف الطريق بين " ثوريرث موسى أو أعمر " و " ثيزي هيبل " كان هناك جدول ماء كانت النساء يذهبن إليه ويغسلن الثياب فيه قريبا من منازل " ثغرغرا " ، وكانت أمي وجدتي تلتقيان هناك كل يوم أربعاء ــ يوم السوق ــ وتحضر كل واحدة ما لديها من الأشياء النفيسة لكي تهديه إلى الأخرى . لكن صباح ذات يوم ، تغيبت جدتي عن الملتقى ، فأخبرت إحدى الجارات أمي أن أمها قد توفيت في الليل . وقد حاولت أمي طوال اليوم أن تثني خالي " قاسي " عن إرادته عن طريق بعض معارفها الذين ترجوه أن يدعها تدخل لتودع أمها المتوفية للمرة الأخيرة لكن دون جدوى ، لأن خالي كان متصلبا. وهكذا عادت أمي يائسة . كنت في المنزل ، أثناء عطلة عيد الأضحى ( لعيذ أمقران ) الذي جاء في فصل الصيف ذلك العام ، وقد كنا أنا وأختي الصغيرة شاهدتين على هذا اليأس دون أن نفهمه ، لكن ذكراه بقيت عالقة ...
في فصل الخريف ، قام " القايد " باستدعاء أمي وقال لها : " إن ابنتك فاطمة هي عائق لك لذلك أنصحك بأن تأخذيها إلى " الأربعاء ناث ييراثن " حيث سيفتحون مدرسة للبنات وهناك ستكون سعيدة وستعامل معاملة حسنة ، والحاكم سيحميك ولن يكون لك ما تخشين من إخوة زوجك الأول." وقد لبثت أمي طويلا قبل أن تذعن لطلبه لأن تجربة الأخوات ال جعلتها تشك في الجميع ، لكنها أذعنت في الأخير لأن زوجها الشاب و سكان القرية كانوا ينظرون إليها نظرة سيئة فهم ما انفكوا يرون فيَّ تلك الطفلة التي لم تكن سوى ثمرة خطيئة . ولم توافق على فراقي إلا في شهر أكتوبر أو نوفمبر 1886 ، وهكذا حملتني من جديد على ظهرها وغادرنا . كل ما أتذكره من تلك الرحلة هو أننا أثناء هبوطنا إلى الوادي أكلنا " الزعرورة " ( ما زلت أتذكر حمرة تلك الفاكهة ) .
وهنا ينتهي القسم الأول من طفولتي ، كنت أعود من حين إلى آخر أثناء العطل ، لكنني لم أعان أبدا من معاملة سيئة .
فاطمة آيت منصور عمروش . " Histoire de ma vie "
وليد ساحلي . سبتمبر 2006 .
Commentaires
Histoire de ma vie
Azul Walid
voilà ma vidéo sur le même thème
Histoire de ma vie
De Fadhma Ait Mansour
http://www.youtube.com/watch?v=b4sn08MS2_4&hl=fr
J'ai oublié le jardin de mon enfance avec ses tonnelles de vigne et le fort national à l'horizon avec ses tuiles rouges et ses remparts blancs. Je viens de relire cette longue histoire et je m'aperçois que j'ai oublié de dire que je suis toujours restée la kabyle : jamais, jamais, malgré les quarante ans que j'ai passé en Tunisie, malgré mon instruction, foncièrement, française, jamais, je n'ai pu me lier, intimement, ni avec des Français ni avec des Arabes. Je suis restée toujours léternelle exilée, celle qui jamais ne sest sentie chez elle, nulle part. Aujourd'hui, plus que jamais, j'aspire, enfin, à être chez moi, dans mon village, au milieu de ceux de ma race, de ceux qui ont le même langage, la même mentalité, la même âme superstitieuse et candide affamée de liberté, d'indépendance, l'âme de Jugurtha.
À mon fils, j'ai dédié ce cahier. Pour lui, j'ai écrit cette histoire. Pour qu'il sache que ma mère et moi avons souffert et peiné pour qu'il soit Jean Amrouche, le poète berbère.
D'après le livre Histoire de ma vie
De Fadhma Ait Mansour mère de
Taos Amrouche
Bonjour Nacir
Bonjour Nacir et Saha aidek .
Oui j'ai vu cette video , la voix de Taos Amrouche est le plus beau hommage a sa mere Fatma .
Tanmiert .
saha aidek Yala ,
j espere que tu as passé une tres bonne fête et tout Guenzet aussi .
apres la fête place au travail maintenant , c'est la saison de azzemour , allah maakoum .
j espere qu il ne fera pas treop froid pour que la cueillette ne soit pas trop pénible
bon courage .
Poster un commentaire
Rétroliens
URL pour faire un rétrolien vers ce message :
http://www.canalblog.com/cf/fe/tb/?bid=466004&pid=14647785
Liens vers des weblogs qui référencent ce message :
